السيد محمد حسين فضل الله
87
من وحي القرآن
الانتحار الفردي أو الجماعي محرّم عند اللّه ، في غير المواقف الشرعية التي تفرض ذلك . وقد ورد في بعض الأحاديث عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام ما يوحي بأن الآية واردة في الانتحار المالي - إذا صح التعبير - وذلك بأن ينفق الإنسان ما لديه من المال بحيث لا يبقى معه شيء . فقد جاء في كتاب الكافي عن الإمام جعفر الصادق عليه السّلام في قوله تعالى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قال : لو أن رجلا أنفق ما في يديه في سبيل من سبيل اللّه ما كان أحسن ولا وفّق . أليس تعالى يقول : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ يعني المقتصدين » « 1 » . والظاهر أن الحديث المشار إليه وارد في مورد التطبيق لا التعيين ؛ فإن الآية مطلقة لكل عمل يؤدي إلى التهلكة ، سواء من ناحية الخطر على الحياة ، أو من ناحية الخطر على حاجاتها الطبيعية التي قد تؤدي إلى الخطر على الحياة في نهاية المطاف . وهناك تفسيران آخران يربطان الإلقاء في التهلكة بالجانب السلبي في حركة الإنسان ؛ الأول : أن يكون ترك الجهاد موجبا للتهلكة ، وذلك في ما روي في الدر المنثور بطرق كثيرة عن أسلم أبي عمران ، قال : « كنا بالقسطنطينية ، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر ، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد ؛ فخرج صف عظيم من الروم فصففنا لهم ، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ، فصاح الناس وقالوا : سبحان اللّه ، يلقي بيديه إلى التهلكة ، فقام أبو أيوب صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم فقال : يا أيها الناس ، إنكم تتأوّلون هذه الآية هذا التأويل ، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار ، إنا لما أعز اللّه دينه وكثر ناصروه ، قال بعضنا لبعض سرّا دون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
--> ( 1 ) الكافي ، ج : 4 ، ص : 53 ، رواية : 7 .